في خبرٍ مؤلمٍ تداوله الوسطان الثقافي والإعلامي، أُعلن عن وفاة هلي الرحباني، الابن الأصغر للسيدة فيروز، عن عمر ناهز 68 عاماً، بعد مسار صحي طويل رافقه منذ سنواته الأولى. وبرحيله، تُضاف صفحة جديدة من الحزن إلى سيرة عائلة تركت بصمتها العميقة على الذاكرة الفنية العربية، وأسهمت في تشكيل وجدان أجيال كاملة.
ويأتي هذا الغياب بعد أقل من ستة أشهر على رحيل شقيقه الأكبر، الفنان والمؤلف الموسيقي والمسرحي زياد الرحباني في يوليو/تموز 2025، ليعيد إلى الواجهة سلسلة الخسارات التي واجهتها فيروز عبر العقود؛ بدءاً بوفاة زوجها المؤسس عاصي الرحباني عام 1986، ثم ابنتها ليال عام 1988، وصولاً إلى هذه اللحظة الثقيلة على العائلة ومحبيها.
حياة خارج الضوء
اختار هلي الرحباني أن يعيش بعيداً تماماً عن الوسطين الفني والإعلامي. فمنذ طفولته، عانى من إعاقة ذهنية وحركية جعلت حياته اليومية بحاجة إلى رعاية خاصة ومرافقة دائمة. وعلى امتداد سنوات عمره، حرصت فيروز على إبقائه خارج دائرة الشهرة، متفرغةً لرعايته بنفسها، في خيار عائلي ثابت عكس علاقة إنسانية استثنائية جمعت أمّاً بابنها، قوامها الخصوصية والصمت والوفاء.
وأفادت تقارير إعلامية لبنانية بأن حالته الصحية شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال العامين الأخيرين، ما حال دون مرافقته لوالدته إلى الكنيسة كما كان معتاداً لسنوات، وهو مشهد ألفه المقرّبون من فيروز وكان يختصر جانباً من حياتها اليومية بعيداً عن الأضواء.
حضور إنساني لا فني
على الرغم من ابتعاده عن المشهد الفني، ظلّ هلي حاضراً في السيرة الإنسانية لفيروز وعائلة الرحباني. وتردّد في الأوساط الثقافية أن أغنية «سلّم لي عليه» التي كتبها ولحّنها زياد الرحباني وغنّتها فيروز ضمن ألبوم «مش كاين هيك تكون» كانت موجّهة إليه، في قراءة وجدانية تربط الفن بالعاطفة العائلية العميقة التي لطالما وسمت أعمال الرحابنة.
ولم يظهر هلي الرحباني إلى العلن إلا نادراً. ففي عام 2022، نشرت شقيقته ريما الرحباني صورة جمعته بوالدته على كرسي متحرك، لاقت تفاعلاً واسعاً وفتحت نافذة نادرة على حياة عائلية اختارت الخصوصية والصمت، مؤكدةً مرة أخرى أن خلف الأيقونة الفنية الكبرى قلب أمّ عاش حكاية إنسانية صامتة.
برحيل هلي، لا تفقد فيروز ابناً فحسب، بل تُستعاد سيرة عائلة دفعت أثماناً شخصية باهظة في موازاة عطائها الفني الكبير. هو وداع هادئ، على طريقة الرحابنة، يترك أثراً عميقاً في الذاكرة، ويعيد التذكير بأن وراء الفن العظيم حكايات إنسانية لا تقل وجعاً وصدقاً.